كشف متحف اللوفر أبوظبي (Louvre Abu Dhabi) عن معرض «بيكاسو، الشكل الإنساني»، وهو معرض استثنائي يضع تحت المجهر انشغال الفنان الدائم بالجسد البشري، ويفعل ذلك على نطاق لم تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة من قبل. يمتد المعرض من 21 يناير حتى 31 مايو 2026، وهو أحد أبرز فعاليات المتحف لهذا العام.
يضمّ المعرض نحو 130 عملاً (لوحات ومنحوتات ورسومات وطباعة وخزف)، مما يجعله أكبر عرض لأعمال بيكاسو في تاريخ اللوفر أبوظبي. تأتي معظم القطع من Musée national Picasso–Paris (المتحف الوطني بيكاسو-باريس)، مضافاً إليها أعمال مُعارَة من مؤسسات كبرى في فرنسا وقطر ولبنان والمنطقة الأشمل، فضلاً عن مقتنيات اللوفر أبوظبي ودائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. تتبع الأعمال معاً مسيرة بيكاسو في إعادة اختراع الشكل الإنساني مراراً وتكراراً على مدى سبعة عقود.

يتوزّع المعرض على خمسة أقسام موضوعية تتابع تحوّلات الفنان: من التشظّي التكعيبي المبكر المتأثر بالفن الإيبيري والأفريقي والأوقياني، مروراً بـ«العودة إلى الكلاسيكية» التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى الهجينات السريالية والأجساد الجريئة المشحونة عاطفياً في أواخر مسيرته. يُؤطّر القيّمون هذه التحوّلات الشكلية عبر النماذج الأسطورية الخالدة — الميناتور والموسكتير والماتادور — التي أتاحت لبيكاسو اختبار الحدود بين الإنسانية والحيوانية، وبين الهشاشة والعنف.
إلى جانب اللوحات الكبرى كـ«امرأة مع مانديل» (1911)، و«بورتريه سيدة جالسة» (1923)، و«امرأة جالسة أمام نافذة» (1937)، يلتقي الزائر بسلاسل من الرسومات والطباعة تُظهر مدى سرعة تنقّل بيكاسو بين التشخيص شبه الكلاسيكي والتشويه الجذري. توضّح القاعات الأولى كيف دفعه احتكاكه بالنحت غير الأوروبي نحو وجوه وأجساد اختُزلت إلى علامات تشبه الأقنعة ومستويات متشظّية، وهي لغة بصرية ستتبلور في التكعيبية.
يُكرَّس قسم محوري لـ«غرنيكا» وتداعياتها، حيث تُعيد صور Dora Maar التقطها في الأستوديو والمواد الأرشيفية بناء مسيرة اللوحة وتحوّلها إلى أيقونة عنف القرن العشرين. هنا يغدو الحوار مع الحداثة العربية صريحاً: تستلهم أعمال ضياء العزّاوي وفنانين آخرين من المنطقة أجسادَ بيكاسو المتكسّرة وأسطحه اللونية المحدودة لتتحدث عن حروب وصدمات في بغداد وبيروت وسائر العالم العربي، مُظهِرةً كيف سافر معجمه البصري إلى ما هو أبعد من أوروبا وتشحّن بتواريخ جديدة.
تصف Cécile Debray، رئيسة Musée national Picasso–Paris، المعرضَ بأنه مبني من «أغنى مجموعة في العالم من أعمال بيكاسو» ومطوَّر «في روح التبادل» مع اللوفر أبوظبي، لاستكشاف كيف «أعاد الفنان باستمرار اختراع تمثيل الشكل الإنساني وتعبيريته: من العلامات المهيبة للتكعيبية إلى الأجساد الكلاسيكية في العشرينيات والكائنات الهجينة في حقبته السريالية.» ويصفه مدير اللوفر أبوظبي Manuel Rabaté بأنه «معرض من نوعه الأول في اللوفر أبوظبي يتناول إرث أحد أبرز فناني القرن العشرين، مدعواً الزوّار إلى تجربة مختارات استثنائية من الأعمال تمتد عبر المراحل المفصلية في مسيرته.»

يؤكد الفريق التأطيري أن المعرض «يرى بيكاسو من خلال عدسة الأسطورة» ويتمحور حول سؤال كوني — الشكل الإنساني — الذي استكشفه عبر وسائط متعددة طوال حياته. بإدراج فنانين عرب معاصرين في القوس السردي ذاته، يُبرز المعرض عمق التبادل الثقافي عبر الحضارات، ويتيح رؤية المجموعات الوطنية والإقليمية جنباً إلى جنب مع الروائع القادمة من باريس.
يمتد المعرض عبر برنامج عام ثري يتجاوز حدود القاعات: محادثات تأطيرية وحوار مع ضياء العزّاوي، وعروض سينمائية من بينها «سرّ بيكاسو» و«بيكاسو الشاب»، وسهرة تنكّرية تمزج الأداء والموسيقى، وجلسات رسم ومسنَدات للحجز، وجولة مخصصة للأطفال مع أسئلة تفاعلية وألعاب.
وهكذا يتحوّل معرض «بيكاسو، الشكل الإنساني» إلى منصة للتأمل في طريقة رؤيتنا للأجساد والأساطير والتواريخ في زمن تتداول فيه صور العنف والهشاشة على الصعيد العالمي.
لمعرفة المزيد عن معرض «بيكاسو، الشكل الإنساني»، تفضّل بزيارة الصفحة الرسمية للمعرض.
قد يستأثر اهتمامك أيضاً بقراءة مقالاتنا عن روائع أخرى يمكن مشاهدتها في اللوفر أبوظبي، كما نوصيك بالاطلاع على الأنشطة المتنوعة التي يقدّمها المتحف.




