تُقدِّم مؤسسة إيشارا للفنون (Ishara Art Foundation) معرضَ «عوالم الأردية» (Urdu Worlds)، وهو أول معرض فني معاصر كبير في الإمارات يُكرَّس للغة الأردية، ويستمر حتى 31 مايو 2026. وقد قام بتنظيمه حمّاد نصر (Hammad Nasar)، إذ يُقيم المعرض حواراً بصرياً بين علي كاظم (Ali Kazim) وزارينا (Zarina)، ويمثّل أول عرض شامل لأعمال كاظم في منطقة الخليج.
يتخذ «عوالم الأردية» اللغةَ موضوعاً له ومادةً في آنٍ واحد، ساعياً إلى الإجابة عن كيفية تجاوز الكلمات لوصف العالم لتشارك في صنعه عوضاً عن ذلك. يطرح المعرض اللغةَ الأردية بوصفها فضاءً حيّاً تتقاطع فيه السِّيَر الشخصية والذاكرة الجماعية والمخيّلات السياسية.
يضم المعرض أعمال الفنان المتعدد الوسائط المقيم في لاهور علي كاظم (Ali Kazim)، والفنانة الراحلة المقيمة في نيويورك زارينا (Zarina)، وتتكشّف مسيرته عبر القاعات كنجمتَين متشابكتَين. وعلى الرغم من الاختلاف بين الفنانَين في الجيل والجغرافيا والوسيط، فإنهما يتشاركان حساسيةً عميقة تجاه اللغة الأردية وأصداءها البصرية والصوتية والعاطفية.
زارينا: اللغة بوصفها وطناً
يتمحور عرض زارينا (Zarina) حول مجموعتَي أعمال محوريتَين هما «الأمثال الأردية» (Urdu Proverbs) و«الوطن مكانٌ غريب» (Home is a Foreign Place)، اللتان تُجسِّدان مشروعها الحياتي في «صنع العوالم» باللغة الأردية. وُلدت في عليكرة (Aligarh) بالهند، وعاشت حياةً رحّالة تنقّلت خلالها عبر القارات قبل أن تستقر في نيويورك، فباتت تجد إحساسها بالوطن في اللغة ذاتها، إذ تطوي نصوصها وأمثالها وشعرها في حفريات خشبية وطباعة رقيقة.

تتضمن «الأمثال الأردية»، المعروضة في صورة فاكسيميل في إيشارا، عشر طباعات بالحفر الخشبي مستوحاةً من تعابير شائعة في الأردية، مع نقش الأمثال بوصفها مكوّنات لا يتجزأ من كل صورة. والمَثَل بوصفه أداةً لغوية يختزل إشارات ثقافية ومرجعيات مشتركة كثيراً ما تأبى الترجمة المباشرة إلى الإنجليزية. غير أن هذه السلسلة تسعى إلى «ترجمة ما لا يُترجَم» عبر التأويل البصري والاستعارة.
أما «الوطن مكانٌ غريب»، وهو عمل تاريخي في مجموعة مؤسسة إيشارا للفنون وبراباكار (Prabhakar Collection)، فيتألف من 36 حفرة خشبية تُفصح كلٌّ منها بصرياً عن كلمة أردية واحدة ربطتها زارينا بالوطن، كـ«السماء» و«المطر» و«العطر» و«اللغة». تُشكّل هذه الطباعات معجماً للانتماء، يرسم الوطن كمنظومة من الأحاسيس والذكريات والكلمات.

علي كاظم: أبجدية المشهد الطبيعي
في «عوالم الأردية»، تحتل طباعات زارينا (Zarina) «جزيرةً» مركزية تمتد حولها كبحرٍ لوحاتُ علي كاظم (Ali Kazim) ورسوماته ومنحوتاته وحفرياته وأفلامه الفيديوية عبر عقدَين من الممارسة الفنية. يُرسّخ كاظم، المقيم في لاهور، «عالمه الأردي» في إحساس عميق بالمكان، مع انفتاحه على مؤثرات متنوعة تعكس التاريخ المتراكب والمركّب للغة ذاتها.
تتألف سلسلة «الأبجديات» (Alphabets) الجديدة لكاظم، المعروضة لأول مرة في إيشارا، من 19 حفرة نحاسية وأكواتنت (aquatints) تعمل بمثابة قاموس للمشاهد الحضرية والريفية في جنوب آسيا. طُوِّرت هذه الأعمال في حوار مع كتاب علي كاظم القادم «كتاب الأبجدية | الأوردو قائدة» (Ali Kazim: Alphabet Book | Urdu Qaida)، الذي شارك في تأليفه مع نصر وسيصدر عن دار Ochre Books عام 2026، إذ تحوّل شظايا التضاريس إلى «أبجدية» من الأشكال يمكن من خلالها قراءة الذاكرة والتاريخ والحياة اليومية.
ومن أبرز الأعمال في المعرض اللوحة الكبيرة رباعية الأجزاء «ثيلا» (Tteela)، التي تصوّر مشهداً تموج بتلال من الشظايا والكسر الأثرية، مُوحيةً بأننا ما زلنا نتعايش مع أجيال سابقة طويلاً بعد غيابها عن المشهد. في ممارسة كاظم، لا تكون الأرض خلفيةً محايدة أبداً؛ إنها تغدو حاملاً للذاكرة وفضاءً للتعايش حيث تتداخل الأزمنة البشرية وغير البشرية.

غرفة القراءة وعوالم الأدب
على الطابق الوسطى (الميزانين) في مؤسسة إيشارا للفنون، تمتد غرفةٌ مخصصة للقراءة لتوسِّع رقعة المعرض إلى عالم الأدب والنشر. يضم هذا الفضاء مختارات من سلسلة «الأبجديات» لكاظم إلى جانب مجموعة منتقاة من الكتب يُدعى الزوار لتصفّحها، مما يُبرز انخراط الفنانَين العميق في الثقافة النصية.
تشمل العناوين المعروضة كتاب «أردو كے ایک سو ایک محاورے» (101 مثل أردي)، الذي جمعته عام 1991 شقيقة زارينا رانا (Rani) وزيّنته بمجموعة «الأمثال الأردية»، فضلاً عن «كتاب الأبجدية | الأوردو قائدة» لعلي كاظم و«منطق الطير» للشاعر الصوفي فريد الدين العطار من القرن الثاني عشر. وبنسج الفن المعاصر والشعر الكلاسيكي والمواد التعليمية معاً، تُعزز غرفة القراءة طابعَ «عوالم الأردية» بوصفه بيئةً حيث تتغذى الكلمات والصور والعوالم من بعضها بعضاً.

من الكلمات إلى العوالم
يُؤكد «عوالم الأردية» قدرة الفن على أن يكون جسراً إلى العوالم الخيالية للفنانين، حتى حين لا يتشارك الزوار لغتهم المكتوبة. يدعو المعرض الجمهور إلى سكن المفردات غير المألوفة وتساؤل كيف تستثمر المؤسسات والدول والمجتمعات اللغاتِ لبناء روايات الانتماء والإقصاء.
في الوقت ذاته، يسلّط المشروع الضوءَ على دور الكلمات في التعبير عن الهوية وضرورة الحفاظ على الصلة بلغة المرء الأم في عصرٍ تطغى عليه الهجرة والتهجير والمنفى. عبر الصرامة الهادئة والاقتصاد الشكلي اللذَين يسمان ممارسَتَي زارينا وكاظم، تبرز الأردية بوصفها فضاءً تلتقي فيه الخصوصية بالسياسة، والمتذكَّر بما لم يُتخيَّل بعد.

أُتيح «عوالم الأردية» بفضل إعارات من مجموعات مؤسسية وخاصة، تشمل غاليري Cristea Roberts Gallery، ومؤسسة Durjoy Bangladesh Foundation، ومؤسسة إيشارا للفنون، ومجموعة براباكار (Prabhakar Collection)، وـ Jhaveri Contemporary، ومؤسسة الشارقة للفنون، وعدد من المقتنين الأفراد. ويحظى المعرض بدعم من J. Safra Sarasin (الشرق الأوسط) المحدودة، وشركة الإمارات للتأمين، ومني محسن وشازاد غفار (Moni Mohsin and Shazad Ghaffar)، وتيمور حسن (Taimur Hassan)، مع الدعم اللوجستي من Jhaveri Contemporary وشكر خاص لـ RIT Cary Graphic Arts Collection وشركة Freight Systems.
المنظِّم والمؤسسة
حمّاد نصر (Hammad Nasar) منظِّم فني وكاتب ومدير البرامج والمحتوى في Ibraaz بلندن؛ وهو معروف بأبحاثه التعاونية وطروحاته القائمة على المعارض التي تدور في كثير من الأحيان حول الممارسات الجنوب آسيوية والشتاتية. من أبرز أعماله التنظيمية المشاركة في تنظيم معرض الفن البريطاني التاسع (British Art Show 9)، ومشاريع مع مؤسسات كبرى كجائزة تيرنر (Turner Prize)، فضلاً عن الجناح الوطني الإماراتي «صخرة، ورقة، مقص: مواقع في اللعب» (Rock, Paper, Scissors: Positions in Play) في بينالي البندقية السابع والخمسين عام 2017.
مؤسسة إيشارا للفنون (Ishara Art Foundation)، المُؤسَّسة عام 2019، منظمةٌ غير ربحية مقرّها دبي، تُكرِّس جهودها لعرض الفن المعاصر من جنوب آسيا وشتاتاتها. وبتوجّه بحثي رصين، وبالشراكة مع Alserkal Avenue، تُحقق المؤسسة رسالتها عبر المعارض والبرامج العامة والمبادرات التعليمية والتعاونات الدولية التي تُعزز التبادل بين الشبكات الفنية الجنوب آسيوية والعالمية.
لمعرفة المزيد عن «عوالم الأردية»، يُرجى زيارة الصفحة الرسمية للمعرض.
قد تُحبّ أيضاً زيارة «في فضاء التكوّن» لعليا حسين لوتاه و«بورتريه ذاتي مع قطة لا أملكها» لبادي دالول.




