فرانك غيري واحد من أولئك المعماريين الذين لم تعد العمارة الحديثة بعدهم كما كانت. الحائز على جائزة بريتزكر عام 1989، حوَّل المبنى من كائن وظيفي إلى إيماءة نحتية ومغناطيس حضري قادر على إحداث تحولات ثقافية واقتصادية في أحياء ومدن بأكملها.
باتت أعماله الأيقونية، كمتحف غوغنهايم في بيلباو، ومؤسسة لويس فيتون في باريس، وقاعة والت ديزني للحفلات الموسيقية في لوس أنجلوس، فضلاً عن متاحف ومبانٍ سكنية وعامة أخرى عديدة، رموزاً بصرية لحقبة التصميم الرقمي، إذ تُظهر كيف يمكن للتجريب الجذري في الشكل والمادة والفضاء أن يتخطى الحدود المهنية ويصبح جزءاً من التجربة الثقافية الجماهيرية.
في الإمارات العربية المتحدة، يعمل فرانك غيري حالياً على مشروع كبرى: متحف غوغنهايم أبوظبي في جزيرة السعديات، الذي هو قيد الإنشاء حالياً.

غوغنهايم أبوظبي: السياق
يُتصوَّر متحف غوغنهايم أبوظبي في جزيرة السعديات بوصفه أكبر مؤسسة في شبكة غوغنهايم ومرتكزاً جديداً في الحي الثقافي إلى جانب لوفر أبوظبي والمتاحف المستقبلية. يُطوِّر المشروع فكرة «المتحف المغناطيس»: فهو ليس مجرد فضاء للمعارض، بل مركز للبحث والتعليم والحوار الثقافي البيني بين شمال العالم وجنوبه، وشرقه وغربه.
مفهوم العمارة والتصميم
يُتصوَّر المبنى بوصفه مجمَّعاً من الأحجام والمخاريط والمدرجات المتشابكة، تُكوِّن معاً تركيبةً شبه نحتية — امتداد للغة غيري المعمارية المميزة، مُترجَمةً هنا إلى مفردات الصحراء والخليج العربي.

يستخدم المتحف اللغة التفكيكية المميزة لغيري: أحجام هندسية مجزأة، وأشكال مخروطية، وكتل متداخلة تُكوِّن مجمعاً نحتياً مدوياً مرئياً من الماء والجزيرة المحيطة.
يُجسِّد الشكل التعبيري الهيبةَ والتشظِّي في آنٍ واحد، كاشفاً براعة غيري في الموازنة بين الفوضى والنظام. يوظِّف التصميم مواد تتفاعل مع ضوء الشمس الحارق والمناخ المحلي: خرسانة عالية الأداء وألواح معدنية مُزخرفة ومواد طلاء عاكسة، مما ينتج ظلالاً وتألقاً ديناميكياً على مدار اليوم.
تستحضر عمارته الأبراج التقليدية للرياح والأشكال الحضرية التاريخية في المنطقة. تعمل الواجهات بوصفها مرشحات ضوئية قوية، مُهيِّئةً مساحات داخلية مثيرة مناسبة للأعمال الفنية المعاصرة الكبرى.

الفضاءات والوظائف
يتكشَّف المتحف في الداخل بوصفه شبكة من القاعات بمقاسات متنوعة، من الفضاءات الحميمة إلى القاعات الشاسعة القادرة على استيعاب تركيبات ومنحوتات بحجم «تجربة بيلباو» لدى غيري. يُعزِّز الترتيب المكاني تدفقاً سلساً يُضاهي نسيج المدينة، حيث تكشف الأفنية والمنحدرات والمدرجات باستمرار مشاهد جديدة.
يتضمن المجمَّع، فضلاً عن فضاءات العرض، مرافق تعليمية وبحثية وأرشيفات ومختبرات، مما يجعله ليس مجرد «متحف أيقوني» بل محركاً حياً لإنتاج المعرفة والثقافة.

الأهمية بالنسبة لجزيرة السعديات والمنطقة
يُعزِّز غوغنهايم أبوظبي دور السعديات بوصفها من أبرز التجمعات الثقافية في الشرق الأوسط، حيث تغدو عمارة النجوم العالميين أداةً لبناء المؤسسات والقوة الناعمة. في تاريخ العمارة الحديثة، هذه لحظة أخرى يُعيد فيها غيري حرفياً تعريف العلاقة بين المتحف والمدينة والمشهد الطبيعي، مُرسِّخاً مكانته بوصفه معمارياً يُحيل المباني إلى أحداث، سواء في تاريخ الفن أو في الحياة الحضرية.
في الخامس من ديسمبر 2025، رحل المعماري العظيم. توفي فرانك غيري عن عمر ناهز 96 عاماً في منزله في سانتا مونيكا، غير أن إبداعاته ستواصل تشكيل المدن وإلهامها لقرون قادمة.
كما نوصيك بقراءة مقالتنا عن المعماري والمصمم المرموق نورمان فوستر.




